أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
184
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
354 - أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم * إني أخاف عليكم أن أغضبا « 1 » وقدّم « العليم » على « الحكيم » لأنه هو المتصل به في قوله : « علّم » وقوله : « لا علم لنا » ، فناسب اتّصاله به ، ولأنّ الحكمة ناشئة عن العلم وأثر له ، وكثيرا ما تقدّم صفة العلم عليها ، والحكيم صفة ذات إن فسّر بذي الحكمة ، وصفة فعل إن فسّر بأنه المحكم لصنعته . قوله تعالى : قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ . . « آدم » مبنيّ على الضم لأنه مفرد معرفة ، وكلّ ما كان كذلك بني على ما كان يرفع به ، وهو في محلّ نصب لوقوعه موقع المفعول به فإنّ تقديره : أدعو آدم ، وبني لوقوعه موقع المضمر ، والأصل : يا إياك ، كقولهم : « يا إياك قد كفيتك » ويا أنت كقوله : 355 - يا أبجر بن أبجر يا أنتا * أنت الذي طلّقت عام جعتا « 2 » قد أحسن اللّه وقد أسأتا و « يا إياك » أقيس من « يا أنت » لأنّ الموضع موضع نصب ، فإياك لائق به ، وتحرّزت بالمفرد من المضاف نحو : يا عبد اللّه ، ومن الشبيه به وهو عبارة عمّا كان الثاني فيه من تمام معنى الأول نحو : يا خيرا من زيد ويا ثلاثة وثلاثين ، وبالمعرفة من النكرة غير المقصودة نحو قوله : 356 - أيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن * نداماي من نجران ألّا تلاقيا « 3 » فإن هذه الأنواع الثلاثة معربة نصبا . و « أنبئهم » فعل أمر وفاعل ومفعول ، والمشهور : أنبئهم مهموزا مضموم الهاء ، وقرئ بكسر الهاء وتروى عن ابن عامر ، كأنه أتبع الهاء لحركة الباء ولم يعتدّ بالهمزة لأنها ساكنة ، فهي حاجز غير حصين ، وقرئ بحذف الهمزة ورويت عن ابن كثير ، قال ابن جني : « هذا على إبدال الهمزة ياء كما تقول : أنبيت بزنة أعطيت . قال : « وهذا ضعيف في اللغة لأنه بدل لا تخفيف ، والبدل عندنا لا يجوز إلّا في ضرورة » ، وهذا من أبي الفتح غير مرض لأن البدل جاء في سعة الكلام ، حكى الأخفش في « الأوسط » له أنهم يقولون في أخطأت : أخطيت ، وفي توضّأت : توضّيت ، قال : « وربما حوّلوه إلى الواو ، وهو قليل ، قالوا : رفوت في رفأت ولم يسمع رفيت » . إذا تقرّر ذلك فللنّحويين في حرف العلة المبدل من الهمزة نظر في أنه هل يجري مجرى حرف العلة الأصلي أم ينظر إلى أصله ؟ ورتّبوا على ذلك أحكاما ومن جملتها : هل يحذف جزما كالحرف غير المبدل أم لا نظرا إلى أصله ، واستدلّ بعضهم على حذفه جزما بقول زهير : 357 - جريء متى يظلم يعاقب بظلمه * سريعا وإلّا يبد بالظّلم يظلم « 4 »
--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 50 ) ، الكشاف ( 4 / 336 ) ، اللسان ( حكم ) . ( 2 ) البيت للأحوص . انظر ديوانه ( 216 ) ، أوضح المسالك ( 3 / 72 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 1 / 127 ) ، أمالي ابن الشجري ( 2 / 79 ) ، النوادر ( 163 ) ، الخزانة ( 1 / 289 ) . ( 3 ) البيت لعبد يغوث بن وقاص . انظر الكتاب ( 1 / 312 ) ، الخصائص ( 2 / 448 ) ، مجالس ثعلب ( 448 ) ، المفضليات ( 156 ) ، المقتضب ( 4 / 204 ) ، العيني ( 3 / 42 ) . ( 4 ) انظر ديوانه ( 24 ) .